العباد الشاكرين

العباد الشاكرين
مبحث المعاناة القسم الثاني عشر

 

إن الشخص الذي يتمكن من إدارة المشكلات والمصاعب التي تواجهه يستطيع أن يجعل حياته حياةً مِلؤها السعادة والرغد، بالإضافة إلى جنيه ثمرة جيدة ألا وهي أنه يصبح شكوراً.

عندما يأتي القرآن الكريم على ذكر الصالحين والشهداء لا يقول أنهم أناسٌ قليلون، لكن عندما يصل إلى الشاكرين يقول:

 بسم الله الرحمن الرحيم: ".... وقَليلٌ مِن عِبَادِيَ الشّكُور"

صدق الله العظيم، سورة سبأ الآية 13

إن منزلة الشاكرين هي أعظم بكثير من منزلة بقية العباد، حتى ذلك الإنسان الذي يبدي سعة الصدر والصبر في مقابل كل الامتحانات الإلهية فإن منزلته أقل بكثير من ذلك العبد الذي يبدي الشكر للخالق في السراء والضراء.

في الواقع فإن الإنسان الذي يذوق المُرَّ والعذاب ولكن يواجه ذلك بالصبر، فإن منزلته وبحسب الروايات أدنى من منزلة العبد الشكور حتى وإن كانت حياته ملؤها الهناء والرغد.

من المؤكد أن الحق جل وعلى لا يسعده أن تكون حياة شخص ما ملؤها العذاب والألم!

في الحقيقة يجب على الإنسان أن يُعوّد نفسه على أن يكون شكوراً، صحيح أن الإنسان ذا الحياة الهنيئة من الممكن أن يكون عنده بعض الأمور التي يشكر ربه عليها من مال ورزق وسعة وراحة بال، لكن ذلك الإنسان الذي ذاق المر والأسى في أيام حياته لا يكمن أن يخطر على باله حتى أن يشكر، حيث يقول: لأيٍّ من الأمور أشكر لفقري؟ أم لحاجتي أم لمدام مصيبتي؟

هذا الأمر خاطئٌ تماماً، حيث يجب على الإنسان أن يشكر الله عز وجل لمجرد أن يتذكر أن هناك رب خلقه ويجب عليه أن يشكره.


متى نصبح من أهل الشكر؟

يجب علينا أن نحمد الله ونشكره على خلقه لنا، بل وعلى حُسن خلقه، ففي دعاء عرفة عن الإمام الحسين عليه السلام وهو دعاء رائع المعاني ملؤه المفاهيم الرائعة، يأتي في أحد عباراته: أشكرك ربي لأنك عندما كنتُ في رحم أمي أعطيتني أيدٍ وأرجلٍ وعيوناً وأوصلت إلى الطعام والغذاء.

 

إن العبد الشكور يشكر الله على نعمٍ لا يمكن أن يدرك البشر العاديين أنها نِعمٌ من الله عز وجل تستوجب الشكر.

إذا استطاع الإنسان أن يكون شاكراً لنعم ربه أياً كانت ومهما كانت، سيشهد حياةً مِلؤها السعادة والنور والهناء.

حاولوا بعد كل صلاة أن تستذكروا بعض النِعم التي مَنَّ الله بها عليكم، واشكروه عليها، كونوا على ثقة بأن هذا كافٍ لتخطي كل الابتلاءات التي قد تواجهكم يوماً.
يجب أن نربي أنفسنا على أن نكون شاكرين لأبسط النعم لكي يعجل الله علينا ما نحب ونتمنى من خير ويؤجل كل ما نكره من سوء وشر. 

عَنِ اَلإِمَام اَلرِّضَا عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ : مَرَّ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ بِرَجُلٍ - وَ هُوَ يَدْعُو اَللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ اَلصَّبْرَ فَقَالَ أَلاَ لاَ تَقُلْ هَذَا وَ لَكِنْ سَلِ اَللَّهَ اَلْعَافِيَةَ وَ اَلشُّكْرَ عَلَى اَلْعَافِيَةِ فَإِنَّ اَلشُّكْرَ عَلَى اَلْعَافِيَةِ خَيْرٌ مِنَ اَلصَّبْرِ عَلَى اَلْبَلاَءِ كَانَ دُعَاءُ اَلنَّبِيِّ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْعَافِيَةَ وَ اَلشُّكْرَ عَلَى اَلْعَافِيَةِ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ.
مشكات الأنوار، ص 258.


ما هي صفات العبد الشكور؟
1- إن العبد الشكور لا يُسَرّ لنعمة أصابته هو وحدة، بل إنه يُسَرّ عندما تصيب النعمة بقية العباد فيصبحوا بتلك النعمة شاكرين.
يشكر العبد الشكور ربه حتى وإن نزّل الغيث في بلدٍ غير بلده لأن ذلك الغيث نشر الخير الرزق حيث هطل.
حاولوا أن تزرعوا هذا الحِسَّ في أنفسكم بحيث إذا رأيتم خيراً حل بغيركم أشكروا الخالق عز وجل واشعروا بالسعادة من صميم قلوبكم.

2- إن العبد الجاحد على عكس العبد الشكور بحيث يسوء الجاحد لنعمة أصابت غيره ولم تصبه ويشعر بالسعادة والامتنان عندما تصيبه النعمة هو فقط.   

3 - إن العبد الشكور يُسرُّ ويفرح حتى وإن أصابت النعمة غيره ولم تصبه.
4 - إن العبد الشكور لا يكتفي بشكر ربه على ما وقع من نِعم، بل يشكر ربه على ما أكرمه به من نِعم منذ الأزل.

5 – إن العبد الشكور يشكر ربه حتى على النعم التي لم ينعم الله بها عليه، ويقول: ربي وسيدي ومولاي أشكرك على لطفك وتقديرك بأن لم تنعم عليَّ بتلك النعمة لأنك رأيت فيها هلاكي، يا لك من رب لطيف وخبير.  
6 – إن العبد الشكور يشكر ربه على ما حل به من بلاء، حيث يقول: ربي إذا أحببت عبداً ابتليته، فالشكر لك ربي لأنك لم تصرفني من باب رحمتك.


7 – إن العبد الشكور يبكي من خشية الله ولأنه مديونٌ للخالق بكل ألطافه وتقديره.


يتبع ...

 

نشر التعليقات